موفق الدين بن عثمان

512

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

فقال المزنّى لم يشك النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا إبراهيم عليه السلام ، فإنّ اللّه تعالى قادر على أن يحيى الموتى ، وإنّما شكّا أن يجيبهما إلى ما سألا . وكانت وفاة المزنى سنة 264 ه وهو ابن سبع وثمانين « 1 » ، وصلّى عليه العبّاس بن أحمد بن طولون ، ورثاه أحمد بن يحيى بن داود ، وكان صديقا له ، رحمه اللّه تعالى ، فقال : لا تهجعى ، فبمثله لم تفجعى * واسترفدى غربى نجيعك واهمعى « 2 » ليس الدّموع وإن تتابع فيضها * فيما دهاك به الحمام بمقنع « 3 » إنّ الرّزيّة يا بن يحيى أصبحت * عمّ العشيرة والبعيد الأشسع « 4 »

--> الشيطان ، لكنها لم تستقر ، ولا زلزلت الإيمان الثابت . وذهب آخرون إلى تأويل ذلك . وعن ابن جريج قال : « بلغني أن إبراهيم أتى على جيفة حمار عليه السباع والطير ، فعجب وقال : ربّ لقد علمت لتجمعنها ، ولكن ربّ أرني كيف تحيى الموتى » . وفي رواية : حتى أعلم أنى خليلك وليطمئن قلبي بالخلة ، ولأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك . وقيل : سأل إبراهيم ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى من غير شك منه في القدرة ، ولكنه أحبّ ذلك واشتاق إليه ، فأراد أن يطمئن قلبه بحصول ما أراده . وقال عكرمة : ليطمئن قلبي أنهم يعلمون أنك تحيى الموتى . ثم اختلفوا في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « نحن أحق بالشك » فقال بعضهم : نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم . وقيل معناه : إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى ألّا يشك ، أي : لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به منهم ، وقد علمتم أنى لم أشك ، فاعلموا أنه لم يشك . وقيل : إن سبب هذا الحديث أنّ الآية المذكورة لما نزلت قال بعض الناس : شك إبراهيم ولم يشك نبينا ، فبلغه ذلك ، فقال : نحن أحق بالشك من إبراهيم ، وأراد ما جرت به العادة في المخاطبة لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئا . وهذا الذي ترون أنه شك ليس بشك ، إنما هو طلب لمزيد البيان . [ انظر فتح الباري ج 6 ص 411 - 413 كتاب أحاديث الأنبياء ] . ( 1 ) وتذكر بعض المراجع أنه ولد في سنة 175 ه . ( 2 ) يخاطب الشاعر نفسه أو عينه قائلا : لا تهدئى أو لا تنامى ، واذرفي دموعك الغزيرة على الفقيد ، فبمثله لم تفجعى أو تصابى . ( 3 ) الحمام : الموت . والمقنع : العدل يرضى بشهادته . أو ما يرضى من الآراء . وقد جاءت هذه الأبيات من قبل عند وفاة ذي النون عندما اكتنفت جنازته طيور خضر ورفرفت عليه . ( 4 ) عمّ العشيرة : شمل الأقارب . . والأشسع : الأكثر بعدا .